منتديات نهضة مصر التعليمية
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي


أول تجمع لتطوير التعليم في مصر والنهوض به
 
الرئيسيةبحـثالأعضاءالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 أبناء الغد_ قصة طويلة _ بقلمي (عمر_رياض)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عمر_رياض
عضو جديد


عدد المساهمات : 39
تاريخ التسجيل : 26/02/2011

مُساهمةموضوع: أبناء الغد_ قصة طويلة _ بقلمي (عمر_رياض)   السبت أكتوبر 01, 2011 2:43 pm

من ثنايا الذاكرة البعيدة ..
قصة بدأت فكرتها معي خلال المرحلة الابتدائية ..

ولكن هذه القصة ليست نفسها التي كتبتها أيام كنت طفلًا ..
فتلك القصة ضاعت مع مجرى الأيام ..
لكن فكرتها الأساس وشخصياتها بقيت في الذاكرة ..
فرجعت لكتابتها خلال العام 1998 أو العام 1999 على ما أعتقد ..
ولا يسعني هنا إلا أن أتقدم بالشكر العميق للسيدة الفاضلة (مريم) والتي قرأت الجزء الأول من قصتي هذه وقامت بتصحيحها إملائيًا ولغويًا ..
وأدعو الله تعالى أن أجد بين أوراقي الجزء الثاني من القصة لأقدمه إليكم بعد انتهاء الجزء الأول بإذن الله ..
وأسأله عز وجل أن أكون قد وفقت في كتابتها وأن تنال إعجابكم ..
والله ولي التوفيق.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر_رياض
عضو جديد


عدد المساهمات : 39
تاريخ التسجيل : 26/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: أبناء الغد_ قصة طويلة _ بقلمي (عمر_رياض)   السبت أكتوبر 01, 2011 2:43 pm

الفصل الأول


المدرسة


كانت تلك المدرسة عبارة عن بناء قديم متهالك لا يعرف من النظافة شيئًا، أشبه ما يكون بالحظائر رغم ضخامته، جدرانه متسخة جدًا، ومقاعد التلاميذ يعلوها الغبار، أما أرض الملعب فكانت مشبعة بالأتربة، والأعمدة التي تعلق عليها سلال المهملات _ دون وجود لهذه السلال_ فكانت تميل إلى السواد مع شيء يسير من لونها الأبيض، باختصار، كانت تلك المدرسة قبيحة جدًا ومنظرها يبعث الكآبة في النفوس حتى أن أبناء المدن الراقية كانوا يأنفون من التطلع إليها.
يقال إن صاحب البناء أشار يومًا على أهالي منطقته بتحويل البناء إلى مدرسة فوافقوا، ولسنوات كانت تلك المدرسة تعلم التلاميذ وتخرجهم رغم مستواها الضعيف، ثم بدأت الأمور تسير من سيء إلى أسوأ حتى أتت فترة أصبحت فيها المدرسة رمزًا للفشل، وما عادت أية مدرسة أخرى تقبل المتخرجين من هذه "الحظيرة" في مراحلها الثانوية أو حتى المتوسطة، وشيئًا فشيئًا تحولت هذه المدرسة إلى ملعب يرسل الأهالي أولادهم إليه ليتسلوا فيه وليرتاح الآباء من ضجيجهم، فأصبح عدد التلاميذ فيها كبيرًا جدًا _ هذا لو صح واعتبرناهم تلاميذ_ وبالإضافة إلى ذلك كانت أقرب مدرسة تحتاج إلى عدة ساعات بالسيارة للوصول إليها_ السيارة ذلك الحلم الذي يراود الأهالي ويتمنون الحصول عليها_ وحتى الذين يمتلكون سيارة لم يفكر أحدهم في استئجار بيت لولده وهو في مرحلة الطفولة ليتعلم، ولذلك لم يكن أمامهم خيار، إما مدرسة القرية أو البيت.
نعود إلى صاحب البناء الذي حول بناءه إلى مدرسة بشرط أن يكون مديرها وأن يتعاقب أبناؤه على إدارتها، وتم له ما أراد، وفي الحقبة التي حدثت فيها قصتنا كان أسوأ سلالته يستلم الإدارة، فظن أنه حصل على "منصب خطير"، وبلغ به الغرور حدًا حتى أنه علق على صدره لافتة كبيرة مكتوب عليها بخط عريض "المدير العظيم" مما أثار سخرية واستهزاء الجميع منه، وكان تهامسهم عليه يزيده غرورًا لظنه أنهم يحسدونه على "المنصب الخطير".
لقد أرسل هذا المدير إلى المسؤولين يريد طاقمًا جديدًا من الأساتذة، ولكن أحدًا لم يستجب له بسبب المستوى المتدهور الذي تمرُّ به المدرسة، وكان من الطبيعي أن يرفض جميع الأساتذة ترك مدارسهم المحترمة والقدوم إلى "قن الدجاج" هذا، وتفتق عقل المدير عن فكرة "ذكية" كما يظن، وهي تعيين الأساتذة الذي يريدهم، فلم يمانع أي مسؤول، بل رأوا في ذلك حلًا للمشكلة فوافقوا، ولكن ماذا يُنتظر من شخص أبله لا يجيد القراءة والكتابة، ويعتقد أنه من أفضل الناس لأنه مدير، ولم يتجاوز الصف الثالث الابتدائي من تعليمه، ويظن أنه حصل على معارف وعلوم الدنيا كلها ؟!
وإذا ما كان المدير الذي سنطلق عليه اسم "أبو طحين" ذلك الاسم الذي اشتهر به بين الجميع، إذا ما كان لا يجيد القراءة والكتابة، فإن الناظر لا يعرفهما مطلقًا، ثم إنه كان كثير النوم فاشتهر ب"النعسان"، كما أنه سريع النسيان ويُضحك عليه بسهولة.
أما الأساتذة فمعظمهم لم يكمل تعليمه، ثم إن أحدهم لم يكن يحمل إحساسًا بالمسؤولية، فأفضلهم كان يجلس في الصف نصف الوقت على أكثر تقدير، هذا إن لم يقطع الوقت في رواية مغامرات وبطولات لم يعرف منها شيئًا في حياته، وكانوا يوقعون على أنهم أعطوا الحصص المحددة لهم دون أن يفعلوا، ولكن دائمًا هناك استثناء، فمن بين الأساتذة كلهم قامت المعلمة "نجوى" بحصر تلاميذها، وألزمتهم باللباس المدرسي، وعاقبتهم على تركه، وكانت شديدة الصرامة معهم، فلم يحبها أحد منهم ولا من أهاليهم، ولكنها لم تهتم، خافها تلاميذها وكرهوها، ولم تبالِ بذلك، بل قامت بواجبها خير قيام.
بقي أن نتحدث عن التلاميذ الذين انتشرت بينهم الفوضى وأتوا ليتسلوا كما قلنا، وأصبح بعضهم يحمل السكاكين، والكبار منهم يحملون المسدسات، كما أن أحدًا من تلاميذ وتلميذات الابتدائي أو المتوسط لم يعرف ما هو "المريول" باستثناء تلاميذ وتلميذات نجوى.
لقد نشأت في التلاميذ جماعة مكونة من ستة أفراد عُرفت ب"الشلة" أعلنت زعامتها على المدرسة بالقوة، وعُرف زعيمها ب"الزعيم"، وكان الجميع يخشون الاحتكاك بهم.
ومع انتشار الفوضى بات يدخل المدرسة من يشاء، حتى الباعة المتجولون ليعرضوا بضاعتهم فيها.
ومما يسمى في اللغة العربية "تسمية الشيء بضده" حملت هذه المدرسة اسم "البراعة"، وفي أحد الأعوام التحق بالمدرسة تلميذ جديد اسمه "عادل".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر_رياض
عضو جديد


عدد المساهمات : 39
تاريخ التسجيل : 26/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: أبناء الغد_ قصة طويلة _ بقلمي (عمر_رياض)   السبت أكتوبر 01, 2011 2:44 pm

الفصل الثاني


الفكرة


بهر عادل الجميع بذكائه واجتهاده، حتى أنه أصبح حديث الجميع: التلاميذ كانوا يحسدونه على تفوقه عليهم، أما الأساتذة فكانوا يتحدثون عنه بانبهار، ويبالغون في وصف الذكاء الذي يتميز به، وكل منهم يؤلف قصة يؤكد بها تفوق عادل من خياله.
وفي أحد الأيام، وبينما كان بعض الأساتذة يتحدثون عن عادل، دخل المدير هاتفًا: "اسمعوا، لدي خبر جيد".
نظر إليه الجميع في اهتمام، فتابع مزهوًا: "المسابقة السنوية ستقام في الصيف".
بان خليط من الغضب وخيبة الأمل على وجوههم، وهتف أحدهم في شيء من السخرية: "أحقًا" ؟!
وقال ثان: " هذا ليس بجديد، إنه يحدث في كل سنة".
وتابع الثالث: "ثم ما الجيد في هذا ؟ّ! مدرستنا لا تستطيع الاشتراك في هذه المسابقة".
انتظر الثلاثة تعليق الرابع، لكنه لم يفعل، فلكزه أحدهم بكتفه قائلًا: "إلى أين ذهبت بأفكارك يا رجل" ؟
حدق فيه بشيء من الشرود، ثم هز رأسه وهو يتمتم: "كنت أفكر بعادل، إنه ذكي جدًا، وأتوقع له مستقبلًا جيدًا".
ارتفعت أصواتهم تؤيده، في حين بدا التفكير على وجه المدير قبل أن يهتف: "وجدتها".
استداروا إليه في تساؤل، فتابع قائلًا: "إننا لم نشترك في هذه المسابقة من قبل، أليس كذلك"؟!
أجاب أحدهم في حذر: "بلى".
قال المدير بحماسة: "لدي فكرة رائعة".
تطلع الأساتذة إلى ابتسامته العريضة في حيرة دون أن يدرك أحدهم أنه لم يكن كاذبًا في قوله هذا..
وأنه لديه بالفعل فكرة رائعة.. أول فكرة في حياته..
وآخرها.

_ "هل سمعت آخر خبر" ؟
نطق أحد المسؤولين بهذه العبارة سائلًا زميله، فأجابه الأخير في لامبالاة: "كلا يا سعيد، لم أسمع".
ثم اتسعت عيناه في استنكار حينما قال سعيد: "لقد قررت مدرسة البراعة الاشتراك في المسابقة السنوية يا حسين".
هب حسين من مقعده هاتفًا بغضب: "هل تمزح"؟!
أجابه بجد: "كلا".
خبط حسين بيده على طاولته هاتفًا: "اتصل به حالًا، واطلب منه أن يكف عن سخافاته، وقل له أن..."
قاطعه قائلًا: "لقد فعلت".
ظهر الارتياح على وجه حسين لثانية واحدة، ثم لم يلبث أن تلاشى حينما تابع سعيد: "ولكنه رفض قائلًا إنها فكرة نيرة، فهو يملك تلميذًا عبقريًا لا مثيل له بين التلاميذ".
ردد بدهشة تمتزج بعدم التصديق: "عبقري" !!
وتابع بحنق: "أي هراء هذا" ؟!
قالها، وانقض على الهاتف يطلب رقم مدرسة البراعة في سرعة، وما إن ارتفعت السماعة من الطرف الآخر، حتى هتف: "اسمعني جيدًا يا غبي، إن حماقتك هذه قد ..."
قاطعه المتحدث قائلًا: "من أنت؟ ولم تسب يا قليل التربية"؟!
صاح غاضبًا: "أين المدير؟! أنا حسين المسؤول في وزارة التربية".
ابتلع الأستاذ ريقه بصوت مسموع قبل أن يقول باحترام: "لحظة واحدة".
انتظر حسين بفارغ الصبر حتى أتاه صوت المدير يقول: "من المتحدث"؟
قال المسؤول بصرامة: "اسمعني جيدًا، قرار الاشتراك في المسابقة ليس..."
قاطعه المدير هاتفًا: "كلا".
ردد بدهشة: "كلا" ؟!
تابع المدير بحزم لم يعتده أحد منه قط: "لن أنسحب من المسابقة، ولتعلم أنك لست أول من يحاول إقناعي، بل أنت آخرهم، الجميع حاولوا قبلك، مديرو المدارس كلهم، ولجنة المسابقات، وكل المسؤولين، ولكني لن أتراجع، أتفهم"؟
هم حسين أن يقول شيئًا ما، ولكن المدير أغلق الخط في وجهه، فصاح غاضبًا: "أيها الوغد".
قلب زميله كفيه قائلًا: "أرأيت"؟!
تبدلت مشاعر حسين فجأة من الغضب إلى الشماتة، وهو يقول: "ولكنه سيندم على فكرته السخيفة هذه، لن ينجح تلميذه العبقري هذا في الحصول حتى على المركز الأخير، بل سيبقى خارج التصنيف، أليس كذلك يا سعيد"؟
هتف سعيد بحماسة: "بلى، إنه سيبقى دون تصنيف، وسيندم (أبو طحين)، سيندم كثيرًا".

_ أريد أن أسأك سؤالًا يا معلمتي.
نطق أحد التلاميذ بهذه العبارة في تردد، فسألته نجوى: "وما هو"؟
رد قائلًا: "هل سمعت أنهم سيرسلون عادلًا ليشترك في المسابقة السنوية ؟ وما رأيك" ؟
قالت في لامبالاة: "لست أدري".
اندفع تلميذ آخر يقول: "ولكنه لن ينجح، إنه في الصف الأول المتوسط، وأستاذ الفرنسي هناك لا يفهم شيئًا".
هتفت به نجوى غاضبة: "كيف تتحدث عن أستاذك السابق هكذا" ؟!
ارتجف التلميذ من قمة رأسه وحتى أخمص قدميه، وهو يجيب بارتباك شديد: "معذرة، ولكن ... ، ولكن يمكنك أن تسألي الجميع".
انبرى التلاميذ يؤكدون لها ذلك، وأخذت هي تستمع إليهم، وفي عقلها بدأت فكرة ما تنمو، فكرة قد تزيد من شهرتها كأفضل معلمة على الإطلاق.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر_رياض
عضو جديد


عدد المساهمات : 39
تاريخ التسجيل : 26/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: أبناء الغد_ قصة طويلة _ بقلمي (عمر_رياض)   السبت أكتوبر 01, 2011 2:45 pm

الفصل الثالث


النجاح


_ "السيدة نجوى تريد أن تكلمك".
شعر عادل بالدهشة، ولكنه سار مع التلميذ الذي أخبره بذلك، وتركه هذا الأخير مع المعلمة، وظل هو صامتًا حتى سألته: "أنت عادل، أليس كذلك"؟!
أجابها باحترام: "بلى يا سيدة نجوى".
صمتت للحظات قبل أن تقول في شيء من الاهتمام: "هل ستشترك في المسابقة السنوية"؟
رد بنفس الاحترام: "هذا ما يقولونه، ولكنني لست أعتقد أنني أهل لمسابقة كهذه".
سألته متظاهرة بالهدوء: "ولماذا"؟
أجاب بخجل: "لأنني لا أعرف شيئًا في اللغة الفرنسية، ولا في القوا..."
قاطعته في لهفة لم تستطع إخفاءها:"وماذا لو وجدت حلًا لمشكلتك هذه"؟
سألتها محتارًا: "كيف"؟!
ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهها وهي تجيب: "أنا أدرس اللغة الفرنسية كما تعلم، لم لا تنضم إلى تلامذتي وتحضر الدروس عندي"؟
رد قائلًا: "ولكن عدم حضوري للدروس في صفي، يعني أن آخذ صفرًا و..."
قاطعته مستنكرة: "صفرًا ؟! حينما أعلمك أنا، فإني من يضع لك العلامات، فكيف ستأخذ صفرًا" ؟!
شعر عادل بالارتياح، فهو يتمنى الاشتراك في المسابقة، وها هي الفرصة مواتية أمامه، لقد حلت مشكلة اللغة الفرنسية، ولكن ماذا عن القواعد ؟!
نقل السؤال مباشرة إلى لسانه، فردت نجوى: "الأمر بسيط، لي ثلاث أخوات، وكل واحدة منهن متخصصة في مادة أو أكثر، وستنال ما تشاء من الدروس، إنها فرصة لن تتاح لغيرك، هل توافق"؟
بانت خيبة الأمل على وجهها، حينما أجاب: "كلا".
ولكنه استدرك بسرعة: "سأتعلم عندك، ولكني أرفض الدروس الخصوصية".
ظهر الظفر واضحًا في وجهها وصوتها وهي تقول: "أنت من الآن واحد من تلاميذي".
وصمتت قليلًا ثم تابعت: "كما أن لي إلمامًا بالقواعد وبعض المواد الأخرى، وسأساعدك".
ثم انصرفا، وكل منهما يشعر بالارتياح لأنه سيحقق هدفه، عادل سيسجل اسمه كأول مشترك في المسابقة السنوية في تاريخ المدرسة بكاملها، أما نجوى فقد وجدت الفرصة سانحة لتضيف إنجازًا ممتازًا إلى سجلها كمعلمة.

انضم عادل إلى تلاميذ الصف الثاني المتوسط في حصة اللغة الفرنسية، وأثبت تفوقًا ملحوظًا في متابعة الدروس، ورغم رفضه للدروس الخصوصية في البداية، إلا أنه عاد ووافق، وكانت البداية عن طريق الاحتيال، فقد كانت معلمته تخبره عن موعد زيارة أي أخت لها، فيذهب إلى بيتها مدعيًا أنه يأخذ درسًا، ثم يسأل أخت المعلمة عن شيء معين، ويبدأ بمحاورتها واستدراجها، ولكن هذه الأخيرة كشفت الأمر بذكائها، وحددت له موعدًا تعطيه في الدروس ثم مع أختيها، وحينما حل موعد المسابقة كان عادل مستعدًا تمامًا.

طالع حسين أسماء المشتركين في المسابقة قبل أن يرمي القائمة أرضًا وهو يصيح: "انظر لهذه المهزلة، (أبو طحين) أرسل تلميذه (الخارق) ليشترك في المسابقة الوطنية".
ابتسم سعيد، وهو يقول: "وما يقلقك في هذا؟! فليشترك ولنسخر منه ومن غبائه".
ابتسم حسين بدوره، وهم بالتعقيب على قول زميله، ولكن رنين الهاتف ارتفع في تلك اللحظة، فرفع السماعة ووضعها على أذنه قائلًا: "ألو، هنا حسين ال...".
بتر عبارته، وهو يقفز من مقعده صارخًا: "مستحيل" !!
ووضع السماعة، وهو يتهاوى على المقعد مكررًا بذهول: "مستحيل" !
سأله سعيد بقلق: "ما المستحيل؟! ماذا حدث"؟!
أدار إليه عينين زائغتين قائلًا بصوت مختنق: "لقد أعلنت اللجنة أسماء الفائزين في المسابقة، أتعلم من الفائز عن الصف الأول المتوسط بين جميع المتسابقين"؟!
رد بضجر: "كلا، لا أعلم".
قال بانهيار: "إنه، إنه، إنه، ...".
سأله بصبر نافذ: "إنه من"؟
أجابه بعد لحظات من الصمت كاد الفضول يقتل سعيدًا خلالها: "عادل، ممثل مدرسة البراعة، عادل محمود".
هتف سعيد، والذهول يعصف بكيانه: "مستحيل"!!
قال حسين، وهو يكاد يبكي: "لقد فعلها (أبو طحين)".
لوح سعيد بكفه قائلًا: "ليس المهم أنه فعلها، بل المهم هل سيستمر في ذلك"؟
صاح حسين: "كلا، لن يفعل".
وتابع بشماتة: "لا ريب أن عادلًا سيتلقى عروضًا من كافة المدارس الراقية وحتى ذات المستوى العادي للانضمام إليها مجانًا، ومن المؤكد أنه سينضم إلى أفخرها، وهناك سيرسلون تلميذًا آخر ليمثلهم، ويعلنون عادلًا بانتهاء العرض، أليس كذلك يا سعيد؟ ها ها ها...".

لم يجبه سعيد ..
بل لم يكن يسمعه في الواقع ..
فقد كان ذهنه مشغولًا بنفس السؤال: لقد نجحت مدرسة البراعة، فهل ستبقى على حالها السيء أم أن المسؤولين سيحسنون من وضعها؟ والأهم من ذلك هو: هل ستستمر في نجاحها؟ هل؟

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر_رياض
عضو جديد


عدد المساهمات : 39
تاريخ التسجيل : 26/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: أبناء الغد_ قصة طويلة _ بقلمي (عمر_رياض)   السبت أكتوبر 01, 2011 2:45 pm

الفصل الرابع
الغباء

_ ولم لا؟!
نطق عادل بهذا السؤال في عصبية جعلت نجوى ترمقه بنظرة صارمة، إلا أنه لم ينتبه إليها، وهو يتابع بنفس اللهجة: "لقد عرضت عليَّ أكثر من مدرسة الانضمام إليها مجانًا، و..."
قاطعته غاضبة: "وماذا"؟!
صمت عادل مبهوتًا، فيما تابعت هي: "ألم تستوعب الأمر بعد؟! انضمامك إلى أية مدرسة أخرى سيعني حتمًا انتهاء نجاحك وإلى الأبد".
سألها بدهشة: "ماذا تعنين"؟!
أجابته وهي تحاول استعادة هدوئها: "ستتعلم في مدرسة راقية وليست كهذه (الحظيرة)، ولكنهم لن يرسلوك للاشتراك في المسابقة، بل سيعيدونك إلى هنا بعد انتهاء العام، وهكذا ستفقد نجاحك".
شعر عادل بالكثير من خيبة الأمل، واستمع إليها وهي تستطرد: "ومن المؤكد أنك لن تمثل هذه المدرسة بعد عودتك إليها، فقد وجدوا بديلًا لك".
هتف مستنكرًا: "بديل؟! ومن هذا البديل"؟!
أجابت قائلة: "حسام، ذلك الولد الذي احتل المركز الثاني خلفك في المسابقة، لقد انتقل إلى هنا وسيرسلونه بدلًا منك، و..."
قاطعها صائحًا: "كلا، لن يتفوق أحد عليَّ أبدًا، هذا وعد".
قالت ساخرة: "أحقًا؟! ولكنه سيحدث مع انضمامك إلى مدرسة أخرى".
هتف بإصرار: "كلا، لن أنتقل إلى أية مدرسة ثانية، وسأبقى الأول هنا".
وابتعد وهو يكرر: "وهذا وعد".
لم تسمع المعلمة عبارته الأخيرة، بل اتجه تفكيرها كله إلى طفلها من الرضاعة، والذي أخذه والده معه إلى اليابان منذ خمس سنوات، إنه في نفس سن وصف عادل، انتبهت فجأة إلى أن عادلًا قد ذهب، فأخذت تفكر: "متى ذهب عادل، ولم لم يستأذن"؟!
ثم شردت بأفكارها مرة ثانية، وفي كيانها ارتسمت صورة لابنها الغائب، والشوق إلى رؤياه يكاد يقتلها.
انفصل الصف الثاني المتوسط إلى شعبتين، ضمت إحداهما عادل، والثانية ضمت التلميذان الجديدان حسام وعماد، وكانا على طرفي نقيض، فحسام على درجة كبيرة من الذكاء، وعماد على درجة كبيرة من الغباء وينجح بصعوبة بالغة، وفي معرض الحديث عن (الغباء) نعود إلى (أبو طحين) الذي قرر إرسال جميع الناجحين في صف عادل إلى المسابقة، ولئن كان إشراك عادل فيها قرارًا حكيمًا، فإن إشراك عماد يدل على غباء شديد لا يتمتع به سوى المدير، المهم أن عادلًا وحسامًا كررا ما فعلاه في العام السابق، فيما أتى عماد في المركز الأخير بين المتسابقين كلهم، والحقيقة أنه لم يحصل حتى على هذا المركز إلا لأنه من مدرسة البراعة.
وتكرر نجاح مدرسة البراعة في العام التالي أيضًا، مما حدا بالمسؤولين إلى بدء العمل بجد لتحسين وضع المدرسة.


انتهت العطلة الصيفية، وبدأ العام الدراسي الجديد، واختلط التلاميذ القدامى بالجدد، وارتفعت الأحاديث والمناقشات بينهم، ليس بسبب التعارف واسترجاع الذكريات فحسب، بل كان الجزء الأعظم منها يعبر عن دهشتهم لنظافة الملعب والأعمدة التي تعلق عليها سلال المهملات، بل ولنظافة الملعب بكامله، كان ذلك شيئًا غريبًا لم يعتده القدامى ولا يتفق مع ما سمعه الوافدون الجدد إلى المدرسة.
ووسط كل هذا، وبينما كانت إحدى التلميذات الجدد تقف وحيدة، اقتربت منها أخرى وحدقت فيها بدهشة قبل أن تنفجر ضاحكة وهي تلوح بذراعيها، مما استفز هذه الأخيرة، فصاحت غاضبة: "هل في شكلي ما يضحك"؟!
سألتها باستهزاء: "لماذا ترتدين هذا"؟!
تحسست الفتاة زيها المدرسي بعناية، وهي تسألها باهتمام: "أليس نظيفًا وأنيقًا" ؟!
قهقت الأخرى ضاحكة بأعلى صوتها، مما جذب مجموعة من التلميذات إليهما، أخذن يحدقن بدهشة في الفتاة التي تكاد تقع على الأرض وهي تضحك، وفي الأخرى التي تقف وقد احمر وجهها من الغضب وهي تحاول تمالك نفسها، قبل أن تصرخ بأعلى صوتها: "كفى".
كتمت الفتاة ضحكتها بصعوبة بالغة، ومدت يدها تصافح زميلتها قائلة: "اسمي ليلى، وأنتِ" ؟
صافحتها بجفاء، وهي تجيب: "اسمي صفاء".
تم التعارف بين أفراد المجموعة، ثم هتفت صفاء وقد خيل إليها أنها عرفت سبب ضحكات ليلى: "آه، صحيح أنه ليس مريول هذه المدرسة، ولكنه أول يوم، وأمي لم تشتري لي المريول الجديد بعد".
انطلقت من فم ليلى ضحكات عالية فجرت الغضب في نفس صفاء، فهمت بترك المجموعة، إلا أن ليلى أمسك بذراعه قائلًا: "نحن لا نلبس المريول هنا".
قاطعتها صفاء: "ولكني رأيت عددًا من التلاميذ يلبسون المريول وكانوا يتحدثون عن ذكرياتهم هنا في العام الماضي، و...".
جاء دور ليلى لتقاطعها قائلة: "إنهم تلاميذ تلك المتوحشة"!
رددت بدهشة: "متوحشة"؟!!
أجابتها بجدية: "نعم، اسمها نجوى، وتعلم صف الرابع الابتدائي والسادس المتوسط، وتلاميذها فقط يلبسون المريول، لأنها تضربهم بقسوة حتى تبكيهم".
قالت صفاء برعب: "هذا يعني أنها ستعلمنا".
تدخلت تلميذة أخرى في الحديث قائلة: "لا، لحسن الحظ، فقد أخبرتني أمي_وهي معلمة هنا_أنها ستعلمنا هذه السنة، فيما استلمت السيدة نجوى الصفين الثامن والتاسع المتوسط".
تمتمت صفاء: "ولكن أمي لن تصدقني، وستجبرني على لبس المريول، فهي مثالية للغاية في هذه الأمور".
قالت ليلى: "وكذلك أمي".
نظرت إليها صفاء بدهشة، وهمت بقول شيء ما، ولكن ليلى تابعت: "كانت تجبرني على لبسه، ولما كنت الوحيدة التي تلبسه في الصف، فقد سخر مني التلاميذ، وأخذوا ينادونني بالتلميذة المثالية، مما جعلني أحس بالضيق، وذات ليلة، وبينما كنت أبكي في غرفتي قهرًا لأن أمي لحقتني بالمريول إلى المدرسة بعد أن غافلتها وأتيت بدونه، وضربتني أمام التلاميذ وأجبرتني على ارتدائه، مما جعلني مثار سخرية واستهزاء لم أحتملهما، وأتميز غيظًا وأنا أرى زميلاتي كل واحدة منهن تزهو بفستانها كل يوم وأنا الوحيدة المحرومة من هذا، فأخذت أفكر كيف سأتخلص من هذا الوضع، وهنا تفتق عقلي عن خطة جهنمية نجحت نجاحًا باهرًا".
بان الاهتمام على وجوههن جميعًا، فيما تابعت هي، وقد شعرت بالزهو لاهتمامهن هذا: "من فرط غضبي كتبت على ورقة أن مدير مدرسة البراعة قد مات، ووضعت الورقة في جيبي، وفي اليوم التالي، أوصلتني أمي إلى المدرسة قبل الجميع، ولما انصرفت خرجت من المدرسة وعلقت الورقة على الباب، ثم دخلت مسرعة قبل أن يلمحني المدير الذي وصل لتوه".
صمتت قليلًا لتلتقط أنفاسها، ثم استطردت وقد تضاعف اهتمامهن واحتسبت أنفاسهن من فرط الإثارة: "لقد قرأ الورقة وأنا أراقبه مذعورة، ثم انطلق يسأل المارة عن مدير مدرسة البراعة الذي مات، وكان الحظ إلى جانبي في ذلك اليوم، فبعد أن أوصلتني أمي ذهبت لتشتري بعض الأغراض من دكان قريب، مما أتاح لها رؤية المدير وهو يسأل عن الذي مات، ومتى سيدفن، بل إنه سألها شخصيًا، فأيقنت أنه مجنون، وسمحت لي بعدم لبس المريول من وقتها، أما المدير فقد عاد إلى المدرسة، وأعلن أن اليوم عطلة (تضامنًا) مع (المرحوم).
هتفت إحدى أفراد المجموعة متهكمة: "هناك ثغرتان في قصتك هذه يا (سوبرمان)، أولًا أنت كتبت الورقة بخط اليد، والنعوة تطبع في المطبعة، وثانيًا: هل تريدين إقناعنا بأن المدير لا يعرف أنه مدير"؟!!
ردت ليلى: "أولًا تفسيره غباء المدير الشديد".
تابعت زميلة لها: "هذا صحيح، ما قالته ليلى صحيح، ولقد ضجت المدرسة كلها بالخبر وقتها".
قالت الأولى بعناد: "لن تقنعيني أنه لا يعرف أنه مدير"!
عقبت زميلة ثالثة: "ثم لماذا بان الاهتمام على وجوهكن طالما أنكن تعرفن بهذا الأمر"؟!
أجابت إحداهن: "إنه يعرف أنه مدير، ولكنه سها عن اسم المدرسة، ثم إننا اهتممنا بهذه الرواية لأننا لم نكن نعرف أن ليلى هي الفاعلة".
كانت المجموعة قد توسعت جدًا، ومعظمهن من الجدد اللواتي شعرن بالخجل لأنهن يلبس المراويل، وهمت صفاء بقول شيء ما، ولكن ليلى سبقتها قائلة بلهفة وهي تشير إلى باب المدرسة: "ها هو ذا".
استدار الجميع يحدقون في المدير الذي دخل إلى المدرسة ..
وخيم صمت رهيب على المكان.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر_رياض
عضو جديد


عدد المساهمات : 39
تاريخ التسجيل : 26/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: أبناء الغد_ قصة طويلة _ بقلمي (عمر_رياض)   السبت أكتوبر 01, 2011 2:46 pm

الفصل الخامس


المدير





كان ذلك الصمت الذي خيم على التلاميذ قد جعلهم أشبه بالتماثيل الجامدة في أماكنها، إذ بدت المدرسة وكأنها خالية، لا أحد يتكلم أو يتحرك، ولكن هذا الصمت لم يدم طويلًا، فقد رفع الزعيم يده، وصاح: "أبو طحين".
وكأن صياحه هذا كان إشارة البدء، فقد تصايح العشرات من خلفه: "أبو طحين، أبو طحين".
تردد صوت التلاميذ لمدة طويلة، وكأنهم يعوضون بذلك ثواني الصمت التي مرت بهم، ومع كل ثانية تمر كان الصوت يرتفع لتجرؤ الجدد على المشاركة في الترحيب بالمدير الذي ظل صامتًا هادئًا حتى انتهت الأسطوانة، وعاد الصمت ليخيم على المكان، حتى قطعه المدير وهو يقول بصوت حمل رنة حزن واضحة: "أتيت لأخبركم بأني لم أعد مديرًا".
مرت لحظات صامتة أخرى، والجميع يحدقون في المدير بذهول بالغ، ثم رفع الزعيم يده مرة أخرى، وهو يصيح بصوت منكر: "ياهو..ياهو..ياهو..".
جاوبه الجميع هذه المرة: "ياهو..ياهو".
وأخذ بعضهم يقلد أصوات الحيوانات: القطط، الكلاب، البقر، والحمير...، وكل ما يخطر ببالهم، ولم ينتظر المدير هذه المرة حتى ينتهوا من التعبير عن فرحهم، فقد أنهى كلامه واستدار مغادرًا المدرسة، والأصوات من خلفه ترتفع بشكل مستفز، ولو كان هؤلاء التلاميذ الذين يصيحون بكل هذه السعادة، لو كانوا يمتلكون بعض (الفهم) لحزنوا أشد الحزن على رحيل (أبو طحين)، بل ولبكوا على ذلك، ولقد أدركوا هذا، فما كاد (أبو طحين) يخرج من باب المدرسة، حتى دخل المدير الجديد، وخيم الصمت على المدرسة للمرة الثالثة، وكان في هذه المرة رهيبًا، رهيبًا للغاية.

حدق التلاميذ بدهشة ورعب في المدير الجديد الذي يبدو أشبه بجبل بشري صغير لفرط ضخامته، والصرامة والحزم يطلان بوضوح من وجهه، ولم يرق هذا الوضع ل(الزعيم)، فحاول أن يؤكد زعامته، فرفع يده وصاح: "أبو لحمة..أبو شحمة".
وتألقت عينا المدير ببريق مخيف.

كانت تلك المرة الثالثة التي يرفع بها الزعيم يده ويصيح، ولكن الاختلاف في التفاعل معه كان واضحًا جدًا، فلم يجاوبه أحد سوى شخص واحد، هو المدير نفسه.
نعم، المدير هو الوحيد الذي تجاوب مع الزعيم، ولكن بشكل عملي، فقد قاطعه بصفعة هائلة أجبرته على ابتلاع لسانه، وأطاحت به بعيدًا ملقى على ظهره وسط الجميع، صفعة دوى صوتها وتردد رنينها في المدرسة بكاملها، صفعة فجرت المزيد من خوف التلاميذ، حتى أن معظمهم كتموا دموعهم بصعوبة، ولو كانوا يملكون الجرأة لبكوا بأعلى أصواتهم، ولكنهم لم يجرؤوا حتى على إظهار مشاعرهم، لا الجدد ولا القدامى، سواء أكانت الخوف أو الشماتة، وحتى أفراد الشلة لم يجرؤوا على إنهاض زعيمهم الذي بقي عاجزًا عن النطق وشبه فاقد الوعي لخمس دقائق كاملة، قبل أن ينهض واقفًا على قدميه بصعوبة وهو يشعر بدوار شديد، وآثار أصابع المدير على وجهه مرتسمة بوضوح، وما كاد يعتدل واقفًا حتى هتف المدير بصوت مخيف: "إلى الصفوف".
كانت لهجته شديدة الصرامة جعلت التلاميذ يتخبطون ببعضهم، وهم يسرعون باحثين عن صفوفهم، على الرغم من أن الوقت لم يكن قد حان بعد، أما الزعيم فقد وجد نفسه _ لدهشته الشديدة_ يركض كالمجنون مع كل آلامه ليدخل أقرب صف إليه، وكأنه سيعلق على حبل المشنقة إن لم يكن أول الداخلين إلى الصف من بين تلاميذ المدرسة كلهم..
وحينما جلس الزعيم على المقعد في الصف..
وحينما رفع يده يتحسس أثر الدم على وجهه..
حينما فعل ذلك، شعر بغضب هائل جعله يغمغم: "ستندم أشد الندم على تطاولك هذا".
وأطلق ضحكة عصبية، وهو يقسم فيما بينه وبين نفسه على الانتقام من المدير انتقامًا عنيفًا..
وكان هذا يعني أن الأيام القادمة ستحمل الكثير من الإثارة والأحداث، مع احتدام الصراع..
بين الشلة والمدير.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر_رياض
عضو جديد


عدد المساهمات : 39
تاريخ التسجيل : 26/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: أبناء الغد_ قصة طويلة _ بقلمي (عمر_رياض)   السبت أكتوبر 01, 2011 2:47 pm

الفصل السادس


الزعامة


(الملل)، ذلك الشعور الذي يسيطر علينا، ونحن نجلس في الصف نستمع إلى شرح لمادة جافة، ولا ريب أننا سنتساءل كيف أصبح الأستاذ أستاذًا_ حتى ولو كانت المادة سهلة_ إن لم يعجبنا أسلوبه في الشرح، وستبدو لنا الحصة عندئذ طويلة بلا نهاية، لا تكاد تمر دقيقة أو دقيقتان، إلا وننظر إلى ساعاتنا ونتساءل بحنق عن سبب بطء الوقت، ومما لا شك فيه أن الأستاذ سيسمع التنهيدات الحارة تنطلق من أفواه، لا بل من أعماق التلاميذ، وسيرى العديدين يفتحون أفواههم عن آخرها، ولا بد أنه سيتساءل بدوره عن سبب كسل التلاميذ رغم أهمية المادة وأسلوبه (الرائع) في الشرح الذي لا يستطيع أي أستاذ آخر أن يأتي به، ثم يهز رأسه قائلًا بشيء من الحنق: "تلاميذ آخر الزمان"!!
ومن المؤكد أن ذهنه سيرسم صورة خيالية ينقلها في حماسة مبالغة إلى التلاميذ عن شطارته وذكائه حينما كان تلميذًا، وكيف كان يحصل على المركز الأول بكل جدارة، ويحافظ على (زعامته) للصف طيلة العام، ويتحدث الجميع عنه في انبهار، ويتمنون الوصول إلى ربع مستواه، وكيف أن الأساتذة اعتبروه التلميذ المثالي، و...،
ومن فرط حماسته لن ينتبه _ أو أنه سينتبه ويتجاهل_ إلى تغامز التلاميذ، ولكن من المؤكد أنه لن يسمع أحد التلاميذ وهو يهمس في أذن زميله متهكمًا: "كلهم كان يحصل على المركز الأول، ترى من كان الثاني"؟!
ويجيب زميله بنفس التهكم: "ألا تعلم أنهم لم يكونوا قد اخترعوا المركز الثاني وقتها!!
المهم أن الملل سيزداد ويتضاعف إن كانت هذه الحصة هي الأخيرة، وإن كان بعض التلاميذ سيتثاءب بكل ما أوتي من قوة، فإن البعض الآخر سينام، أو قد يخرج قصة من حقيبته ويقرأها، وما يعنينا هنا أن ردة الفعل ستختلف حتمًا ما بين تلميذ وآخر، ولكنها في بعض الأحيان قد تصل إلى العنف عقب تعليق ساخر، وهذا ما حدث في الصف الذي اجتمع فيه تلاميذ (الشلة) في حصة التاريخ:
كان الأستاذ يشرح بأسلوب ممل سخيف عن الحرب العالمية الثانية، والصمت مسيطر على الصف _ وإن كان يقطعه بين حين وآخر تثاؤب أحد التلاميذ_ إلى أن قال الأستاذ: "وهكذا هزمت ألمانيا في الحرب، وانتحر هتلر في برلين".
تدخل أحد أفراد الشلة قائلًا: "خطأ، لم ينتحر هتلر، لقد فر إلى باريس، وسيعيد تنظيم النازية، ويغزو العالم، و...
قاطعه الأستاذ بسخرية قاسية: "أحقًا؟! هل سيغزونا هتلر؟! ومتى سيحدث ذلك؟! يجب أن ننذر الحلفاء، أليس كذلك؟! ها ها ها ..."
احمر وجه التلميذ من الغضب، فيما تابع الأستاذ بنفس اللهجة المتهكمة: "آه، هل قلت إن هتلر قد فر إلى باريس أيها الأحمق؟! عجبًا!! أليست فرنسا من الحلفاء أيها الأبله؟! لا بد أنها قد خانتهم إذًا، يجب أن ننذر الحلفاء، أليس كذلك؟! ها ها ها...".
لم يحتمل الشاب هذه السخرية، وهو من (الشلة) خصوصًا حينما تفجرت الضحكات من أفواه التلاميذ والتلميذات، مما أجج نيران الغضب في نفسه، فتبادل النظرات مع أصدقائه من الشلة، فغمزوا له بأعينهم وهم يهزون رؤوسهم موافقين، فأخذ نفسًا عميقًا محاولًا السيطرة على أعصابه، قبل أن يقول بصوت حاول أن يصبغه بنبرة البرود: "لا تسخر مني أيها الغبي الفاشل ال...".
انقلبت ملامح الأستاذ من السخرية والتهكم إلى الغضب والثورة، وهو يصيح مقاطعًا بصوت هادر: "إلى الخارج".
ابتسم الشاب ابتسامة واثقة، وهو ينظر إلى أفراد الشلة، ولكنهم أشاحوا جميعًا بوجوههم وكأنه لا دخل لهم فيما يحدث، مما أثار توتره وخوفه، وخاصة مع اقتراب الأستاذ منه وهو يضم قبضتيه، وفجر الخوف في نفسه طاقة هائلة جعلته يقفز من مقعده ليهبط على المقعد الثاني وتطيش اللكمة في الهواء، ولم ينتظر الشاب ثانية واحد ليعرف ردة فعل الأستاذ بعدها، ولا ليرى كم تضاعف غضبه، بل واصل القفز فوق المقاعد متجاهلًا صرخات الاستنكار من التلاميذ، ولم يصدق نفسه حينما وجد نفسه خارجًا، فأغلق الباب خلفه بعنف، وهو يركض مسرعًا بكل قوته، خوفًا من أن يلحق به الأستاذ، ثم توقف وهو يتمتم لاهثًا: "لقد نجوت، اللعنة، لم يكن أحدهم يجرؤ على رفع وجهه أمامنا في السنوات الماضية بالمرة".
جلس في ركن الملعب بضع دقائق ليستعيد أنفاسه، ثم نهض واقفًا، وقد قرر العودة إلى البيت، ولم يشعر بالخوف وهو يمر أمام الإدارة، فلا ريب أنه سيقابل الناظر (النعسان)، هذا إن كان مستيقظًا أصلًا، وصح توقعه، فقد اعترض (النعسان) طريقه، وهو يقول: "ماذا تريد؟ هل يؤلمك رأسك وتريد قرصًا مهدئًا؟ أم أن بطنك يؤلمك وتريد شايًا؟ لا بل ..."
ولم يهتم بديع بما يسمع، بل لم يكن يسمع في الواقع، فقد تصاعد في أعماقه غضب هائل من نفسه، بسبب جريانه أمام الأستاذ كالفأر المذعور الذي سقط في قبضة هر جائع، وهو الذي كان يخيف الجميع لأنه من (الشلة)..
ولعل الجزء الأكبر من غضبه متعلق بهذه الأخيرة: (الشلة)، لأن أحدًا من أفرادها لم يتدخل لينصره، والزعيم متغيب منذ اصطدامه مع المدير، وزعامة (الشلة) للمدرسة بدأت تهتز.. لا، لن يذهب(بديع) إلى البيت الآن، بل سيعود إلى الصف ويلقن الأستاذ درسًا قاسيًا، سيرفع السكين في وجهه، وابتسم (بديع) ابتسامة متلذذة وهو يتخيل منظر الأستاذ يرتجف ويبكي من الرعب وهو يطلب الرحمة، سيدرك الجميع عندها أن (الزعامة) ما تزال ل(الشلة)، تمامًا كما كان الأمر في السنوات السابقة.. كان بديع يتخيل ما سيحدث وفي عروقه تسري نشوة الانتصار وكأنه قد فعل ذلك حقًا، ولكن أحلامه وآماله وخططه انهارت كلها دفعة واحدة، حينما سمع من خلفه صوتًا صارمًا يسأله: "ماذا تفعل هنا"؟!
وارتجف بديع بشدة..
فلقد ميز في ذلك الصوت صوت مدير المدرسة..
ذلك الوحش المرعب.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر_رياض
عضو جديد


عدد المساهمات : 39
تاريخ التسجيل : 26/02/2011

مُساهمةموضوع: رد: أبناء الغد_ قصة طويلة _ بقلمي (عمر_رياض)   السبت أكتوبر 01, 2011 2:49 pm

الفصل السابع
الطرد





ما أعجب تحول وتبدل حالة الإنسان من الهدوء إلى الغضب إلى الفرح، ومن ثَمًّ إلى الخوف، وهذا ما مر به بديع في ذلك اليوم، والواقع أن الخوف تعبير متواضع لما شعر به، ولأننا لم نجد لفظة مناسبة، فسنقول إن بديعًا شعر بالرعب والهلع الشديدين يجتاحانه حينما سمع صوت المدير، وأدار بديع عينيه قليلًا لترتطما بنظرة صارمة غاضبة من المدير، وانهار بديع، انهار تمامًا.
كان الأستاذ ما يزال يواصل إعطاء الدرس حينما ارتفعت ثلاث دقات هادئة على الباب، وقبل أن يدعو صاحبها إلى الدخول فُتح الباب، وهم الأستاذ بالترحيب بالقادم، ولكنه عندما رآه صاح: "أنت؟! اخرج، إياك أن تدخل ولو سمح لك الناظر بهذا، ولو...".
تجاهله بديع تمامًا، وهو يدخل بخطوات ثابتة ويتجه نحو مقعده، مما فجر الغضب في نفس الأستاذ الذي وجد نفسه يصرخ: "أنت".
كان بديع قد وصل إلى مقعده، ولكنه التفت إلى الأستاذ ورمقه بنظرة خاوية قبل أن يجلس، فقرر الأستاذ وهو يكاد يجن غضبًا أن يضربه، ولكن غضبه زال بغتة، وحل محله شعور عارم بالارتياح والسعادة، حينما وضع بديع كتبه في حقيبته، ثم وقف، وراقبه الأستاذ، والشماتة تطل بوضوح تام من وجهه، وهو يغادر الصف، أما أفراد الشلة فقد تبادلوا النظرات القلقة، وفي رأس كل واحد منهم انطلق سؤال مستفز: "ماذا حدث؟"
نعم، هذا هو السؤال الحقيقي ..
ترى ماذا حدث؟!

وجد بديع صعوبة بالغة في الالتفات وركبتاه ترتجفان وأسنانه تصطك هلعًا، ولم يكن المدير بحاجة إلى (ذكاء) شديد ليدرك أن هذا الشاب قد فعل شيئًا حتمًا، خصوصًا أن العرق غمر وجهه، وكاد يغمى عليه، وهم المدير بقول شيء ما، ولكن بديعًا انهار على ركبتيه هاتفًا: "الرحمة، الر..."
انعقدت الحروف في حلقه مع تلك النظرة الغاضبة التي تضاعفت في عيني المدير، ومرت لحظات صامتة كاد بديع يفقد وعيه خلالها من شدة الرعب، خصوصًا حينما استعاد ذهنه مشهد الزعيم وصفعة المدير تطيح به وكأنه ريشة هب عليها إعصار، ثم قال المدير غاضبًا: "اغرب من هنا، ولا ترني وجهك أسبوعًا كاملًا، هل فهمتني"؟!
انحل لسان بديع عند هذا القول، وهتف بسعادة: "شكرًا لك يا حضرة المدير، شكرًا".
وأسرع بالركض قبل أن يغير المدير رأيه.

اجتمع أفراد الشلة الأربعة في صباح اليوم التالي يتناقشون، فقال أحدهم: "يبدو أن بديعًا لم يعد يستحق الانضمام إلينا".
وافقه الثاني بإيماءة من رأسه، وهو يتمتم: "هذا صحيح، لقد بدا أمام الأستاذ كالخروف المساق إلى الذبح".
حاول الثالث الدفاع عن زميله، فقال: "ولكنه عاد إلى الصف ودخل رغم معاضة الأستاذ، وكأنه يقول له أدخل وأخرج حينما أريد".
سأله الرابع في شك: "أتعتقد هذا حقًا"؟
أجاب بحماسة: "بل ومستعد للمراهنة عليه أيضًا، فلو اتضح العكس سأدفع لك نصف ما أحمل في جيبي من مال، و..."
قاطعه صوت يقول: "خسرت الرهان يا هذا".
هتف الأربعة فرحين: "الزعيم".
ثم سأله المراهِن: "كيف عرفت ما حدث، وقد كنت غائبًا منذ..."؟
قاطعه قائلًا: "لقد التقيت بوالد بديع أمس، وأخبرني أن المدير قد طرد ابنه أسبوعًا".
هتفوا معًا بكل غضب الدنيا: "طرده أسبوعًا"؟!
رد الزعيم بسخرية عصبية: "لم يعد الأمر يقتصر على هذا فحسب".
سأله أحدهم باهتمام: "ماذا تعني"؟
أجاب الزعيم قائلًا: "لقد ذهبت اليوم إلى منزل بديع، ولقد وصلت مباشرة بعد انصرافه".
تمتم ثان بحيرة: "ماذا تعني"؟!
كان الجواب مفاجئًا لهم: "المير".
ظهر الترقب والإثارة على وجوههم جميعًا، فيما تابع الزعيم: "لقد أخبرني والد بديع أن المدير أتى ليبلغهم بفصل بديع نهائيًا من المدرسة".
صاح أحدهم غاضبًا: "لقد ألحق بديع بنا العار جميعًا، يجب فصله من منظمتنا".
وافقه الزعيم قائلًا: "هذا صحيح، لقد أردت إبلاغ بديع بفصله من المنظمة، ولكنه كان غائبًا عن الوعي، الأدهى أنه كان طوال الليل يهذي طالبًا الرحمة من المدير، هذا ما قالته أمه".
ساد الصمت قليلًا، والتقط الزعيم أنفاسه محاولًا بكل جهده السيطرة على أعصابه، قبل أن يقول: "لقد أهاننا المدير جميعًا، وبعدها سيبقى أحدنا في المدرسة، إما هو وإما نحن، إما المدير وإما الشلة، منظمتنا القوية".
وعلى الرغم من محاولته السيطرة على أعصابه..
إلا أن صوته شابته نبرات عصبية خصوصًا في عباراته الأخيرة..
مما فجر الحماسة في قلوبهم فانطلق هتافهم عاليًا..
هتافًا يؤكدون به عزمهم على الانتقام لشرف منظمتهم..
وأقسم كل واحد منهم بينه وبين نفسه على أن يكون أول من يبدأ المواجهة مع هذا المدير..
تلك المواجهة التي باتت أقرب مما يتصورون..
والتي ستتغير بعدها الأحداث..
تمامًا.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
أبناء الغد_ قصة طويلة _ بقلمي (عمر_رياض)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات نهضة مصر التعليمية  :: ¨'°OO°'¨إستراحة المنتدي ¨'°OO°'¨ :: الابداعات بأقلام الاعضاء-
انتقل الى: